زكريا القزويني
503
آثار البلاد واخبار العباد
الأندلس جزيرة كبيرة بالمغرب فيها عامر وغامر . طولها دون الشهر في عرض نيف وعشرين مرحلة ، ودورها أكثر من ثلاثة أشهر . ليس فيها ما يتّصل بالبرّ إلّا مسيرة يومين ، والحاجز بين بلاد الأندلس وافرنجة جبل . قال أحمد بن عمر العذري صاحب المسالك والممالك الأندلسيّة : إن الأندلس وقعت متوسّطة بين الأرض كما هي متوسّطة بين الأقاليم ، فبعضها في الإقليم الرابع ، وبعضها في الإقليم الخامس . وبها مدن كثيرة وقرى وأنهار وأشجار ، وبها الرخص والسعة . وبها معادن الذهب والفضّة والرصاص والحديد في كلّ ناحية ، ومعدن الزئبق والكبريت الأحمر والأصفر والزنجفر الجيد والتوتيا ، والشبوب على أجناسها والكحل المشبه بالأصفهاني . وبها من الأحجار الياقوت والبلور والجزع واللازورد والمغناطيس والشادنج ، والحجر الذي يقطع الدم والحجر اليهودي والمرقشيثا وحجر الطلق . وبها أصناف الرياحين حتى سنبل الطيب والقسط والاشقاقل ، وبها الانبرباريس والعود . حكى العذري أن بعض الولاة ولّى ناحية بشرة فشمّ رائحة العود ، فوجدوا من دار رجل ضعيف ووجدوا عنده عودا كثيرا يتّقد به ، فرأوه فإذا هو ذكي من عود الهند ، فسئل عن موضع احتطابه فحملهم إلى جبل من جبال وفر ، فحفروا وأخرجوا بقيّته واشتهر بين الناس . وأهل الأندلس زهاد وعبّاد والغالب عليهم علم الحديث ، ويقع في بلاد الأندلس من الخدم والجواري المثمنات على غير صناعة بل على حسنهم بألف دينار . ولأهلها إتقان في جميع ما يصنعونه إلّا أنّ الغالب عليهم سوء الخلق . ومن عجائب الدنيا أمران : أحدهما المملكة الإسلاميّة بالأندلس مع إحاطة الفرنج من جميع الجوانب والبحر بينهما وبين المدد من المسلمين ، والآخر المملكة